أسماء كامل تكتب: إزدواجية المجتمع في مواجهة المرأة: أنوثة مُدانة وقوة مفروضة
لا يُحاكَم الإنسان عادة على طبيعته، إلا المرأة. فهي مطالَبة طوال الوقت بأن تبرر مشاعرها، وأن توازن بدقة مُرهِقة بين ما تشعر به وما يُسمح لها بإظهاره. إن أظهرت أنوثتها وُضِعت في خانة الضعف، وإن تمسكت بقوتها وُجّهت إليها أصابع الاتهام بأنها فقدت روحها الأنثوية.
في هذه الازدواجية القاسية، لا تُمنَح المرأة حق أن تكون نفسها كما هي، بل كما يراها المجتمع أكثر قبولًا. تُدان حين تكون رقيقة، وتُجبَر على التصلّب كي تحمي ذاتها، ثم تُحاسَب على هذا التصلّب ذاته. هكذا تتحول حياتها إلى معركة مستمرة، لا مع الواقع فقط، بل مع صورة مشوّهة فُرضت عليها باسم الأعراف والتوقعات.
الأنوثة في جوهرها ليست ضعفًا، بل طاقة إنسانية عميقة، قوامها الاحتواء والمرونة والقدرة على العطاء. لكن المجتمع غالبًا ما يختزلها في صورة سطحية، تجعل منها نقيضًا للقوة، وكأن الرقة لا تجتمع مع الصلابة، أو المشاعر مع الحكمة. هذا الفهم القاصر يدفع المرأة إلى إخفاء جانب أصيل من ذاتها خوفًا من التقليل أو الانتقاص.
وفي المقابل، تُدفَع المرأة إلى تبنّي قوة قسرية لا تُشبهها دائمًا. قوة تُطالَب فيها بالتحمّل الدائم، بالصمت عن الألم، وبالنجاح دون اعتراف بالتعب. لا يُسمح لها بالانكسار، ولا يُنظر إلى ضعفها بوصفه حالة إنسانية عابرة، بل كدليل إدانة ضد كفاءتها وقيمتها.
الأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية لا تُمارَس فقط من المجتمع، بل تتسلل ببطء إلى داخل المرأة نفسها. فتبدأ في مراقبة تصرفاتها، وتعديل مشاعرها، وكبح ردود أفعالها، حتى لا تُتَّهم بأنها “أكثر مما يجب” أو “أقل مما ينبغي”. ومع الوقت، يتحول الصراع إلى معركة داخلية تُرهق الروح قبل الجسد.
غير أن الحقيقة الغائبة في هذا الصراع أن القوة والأنوثة ليستا نقيضين، بل امتدادان لبعضهما. فالقوة الحقيقية لا تعني القسوة، والأنوثة لا تعني الهشاشة. المرأة القادرة على الشعور بعمق، هي ذاتها القادرة على الصمود. والتي تعرف متى تحتضن، تعرف أيضًا متى تحمي نفسها وتضع حدودها.
التحرر من هذه الازدواجية لا يبدأ بتغيير المرأة، بل بتغيير النظرة إليها. بأن يُسمح لها أن تكون قوية دون تبرير، وأن تكون رقيقة دون دفاع. أن يُنظر إلى إنسانيتها بوصفها قيمة مكتملة، لا معادلة مستحيلة بين طرفين متناقضين.
فحين تتصالح المرأة مع ذاتها، وتسقط عنها عبء الأدوار المفروضة، تتحول القوة من قناعٍ دفاعي إلى اختيار واعٍ، وتستعيد الأنوثة معناها الحقيقي كحالة اتزان لا كاتهام. وعندها فقط، تنتهي الحرب… لا بانتصار طرف على آخر، بل بانتصار المرأة على الازدواجية التي حاولت تعريفها من الخارج.




-3.jpg)

